تحذيرات من تصاعد مخيف لإحصائيات الطلاق في العراق

27 مارس, 2022 11:21 صباحاً
القدس عاصمة فلسطين/ دولة فلسطين

بغداد-أثار التصاعد المخيف في إحصائيات الطلاق مؤخرا، قلقا بالغا لدى العراقيين نظرا لكونه يعكس واقعا خطيرا للتفكك الأسري وانهيار العائلة العراقية، كنتيجة حتمية لتدهور الأوضاع العامة في البلد، وإهمال الحكومات والأحزاب الحاكمة لأوضاع الشعب ومشاكله ومتطلباته.

وتحفل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي المحلية يوميا، بأخبار وحوادث عن العديد من مؤشرات التفكك الأسري مثل حالات تعذيب النساء والأطفال وتعنيفهم، وقتل أشخاص على يد أفراد من عائلاتهم، والخيانة وانتشار المخدرات، إلا ان إحصائيات الطلاق دقت ناقوس الخطر لما لها من تداعيات خطيرة على المجتمع، كنتيجة طبيعية لتراكم الأزمات التي يمر بها العراق.
وقد كشف مجلس القضاء الأعلى مؤخرا، عن إحصائية دعاوى الطلاق لعام 2021 لرئاسات محاكم الاستئناف عدا إقليم كردستان العراق، مشيرا إلى أن عدد الحالات تجاوز الـ73 ألف حالة، وإن العاصمة بغداد تصدّرت أعداد المحافظات. وذكر تقرير مجلس القضاء، أن «حالات الطلاق في العام الماضي وصلت إلى 73399 حالة، كانت حصة بغداد منها أكثر من 27 ألف حالة طلاق». ونشر القضاء الرسم التخطيطي الذي يوضح بالأرقام إحصائية الطلاق من شهر كانون الثاني/يناير ولغاية كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي 2021.
كما أعلنت وزارة العدل مؤخرا، عن 6486 حالة طلاق في شهر كانون الثاني/يناير الماضي منها 2350 في بغداد، إضافة إلى تسجيل نحو 6 آلاف حالة طلاق في شهر شباط/فبراير الماضي، حيث شهد مطلع عام الجاري تسجيل أكثر 200 حالة طلاق في اليوم الواحد.
وكانت الإحصائيات السابقة الصادرة عن مجلس القضاء، أشارت إلى أن إجمالي عدد حالات الطلاق في شهري آب/اغسطس وأيلول/سبتمبر من العام الماضي بلغ 11442 حالة طلاق خارجي أو بأحكام قضائية، مقابل عدد حالات الزواج في الشهرين المذكورين التي بلغت 39394 عقدا قضائيا أو تصديقا خارج المحكمة، فيما سجل العراق في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 أعلى معدل لحالات الطلاق بإجمالي وصل 8245 حالة طلاق في 15 محافظة عراقية باستثناء مدن إقليم كردستان. وهي أرقام غير مسبوقة في المجتمع العراقي، حيث قاربت حالات الطلاق نسبة 30 في المئة من إجمالي عدد حالات الزواج.
وأزاء استفحال هذه الظاهرة، تحدث مجلس القضاء الأعلى عن هذه الظاهرة، حيث أوصى بمعالجة ظاهرة زواج القاصرين، مبينا إن «المحاكم سجلت أرقاماً عالية لحالات الطلاق خلال السنوات الماضية» ومشيرا إلى أن «انتشار الظاهرة أصبح مشكلة تعود أسبابها إلى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن الظروف التي مرت بالبلاد منها البطالة وأزمة السكن». وأضاف أن «الحد من انتشار ظاهرة الطلاق يحتاج إلى جهد كبير وتعاون من جميع الجهات المسؤولة إلى جانب دور التشريعات، ولا سيما أن القانون العراقي لا يجرم الطلاق خارج المحكمة» في إشارة إلى الطلاق عند رجال الدين وليس في المحاكم.
وأشار إلى أن «تجريم الطلاق خارج المحكمة أحد الحلول المساهمة في الحد أو إغلاق عدد كبير من حالات الطلاق، بالإضافة إلى تشريع قانون يمنع زواج القاصرين خارج المحكمة وتغريم من يقوم بهذا الفعل ومعاقبته».

تحذيرات من الكارثة

وفي أعقاب نشر الإحصائيات المخيفة لتصاعد حالات الطلاق، أطلقت العديد من الجهات المعنية بأوضاع الأسرة العراقية كمنظمات المجتمع المدني، تحذيرات من عواقب وخيمة للتفكك الأسري الذي يشهده المجتمع العراقي هذه الأيام، حيث تحصل كل يوم نحو 210 حالة طلاق تقريبا، بواقع قرابة 10 حالات في الساعة الواحدة.
وقد أثارت هذه النسبة المرتفعة القلق من التداعيات السلبية الخطيرة لتصاعد الظاهرة على المجتمع العراقي، وتأثيراتها على أمنه واستقراره. فهذه النسبة تعبر، بحسب المختصين، عن اتساع نطاق دائرة التفكك الأسري، وما ينجم عنه من مشاكل وأزمات اجتماعية حادة ومتشعبة.
التدريسية في جامعة بغداد د. إرادة الجبوري، تحدث لـ«القدس العربي» عن ظاهرة ارتفاع الطلاق، فأشارت إلى ان «معظم حالات الطلاق تتم في زيجات لفتيات دون السن القانوني المسموح به للزواج وخاصة في المناطق الريفية، حيث هناك تحايل على القانون فيتم زواج القاصرات خارج المحكمة ويتم طلب مصادقة المحكمة عليها لاحقا، ولا توجد عقوبات رادعة أو تشديد على عدم الزواج والطلاق خارج المحكمة».
وحددت الجبوري أسبابا عديدة لتزايد الطلاق أبرزها «عدم النضج وعدم تحمل مسؤولية الزواج المتعددة، وخاصة في ظروف العراق المعقدة» منوهة إلى ان ظروف انهيار الدولة عقب الاحتلال الأمريكي عام 2003 كان مجالا لزيجات لا تراعي القانون في ظروف ضعف تطبيق القانون.
وشددت على سبب قوي للطلاق وهو ازدياد العنف الأسري، إضافة إلى الصعوبات الاقتصادية والبطالة الواسعة، والاستخدام السيء لمواقع التواصل الاجتماعي، وانتشار المخدرات. كما قامت بعض الزيجات لأسباب اقتصادية حيث تدفع الأسر الفقيرة بناتها للزواج المبكر للتخلص من أعبائهن وللحصول على أموال تعينها في تمشية حياتها.
وحذرت من ان ارتفاع الطلاق مؤشر خطير على تفكك المجتمع، لكونه مشكلة اجتماعية واقتصادية وثقافية وقانونية، مشيرة إلى عدم قيام المؤسسات الاجتماعية بدورها المعهود، كالعشيرة والمراجع الدينية ووسائل الإعلام، التي تخلت عن دورها الاجتماعي لحماية الأسرة وتجاهلت مشكلة الطلاق المخيفة وتأثيراتها وتفرغت للصراعات السياسية.

الأسباب

وازاء تصاعد التحذيرات والدعوات للسلطات لدراسة أسباب ارتفاع الطلاق، عقدت السلطات القضائية اجتماعا برئاسة نائب رئيس محكمة استئناف بغداد /الكرخ، القاضي صلاح دريب، الذي ناقش بحضور عدد من قضاة الأحوال الشخصية وإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني، أسباب الطلاق وزيادة نسبها في أروقة المحاكم العراقية.
وقال دريب إن «على الجميع الوقوف لمعرفة الأسباب الحقيقية للطلاق، وأن يكون ذلك منطلقاً للنقاش والتي من أبرزها التدخلات التي تحصل من قبل أهالي الطرفين، وسوء الحالة المادية فضلاً عن قلة ثقافة بناء الأسرة، إضافة إلى سوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي» مشددا على «عوامل هامة يجب التركيز عليها ومن ضمنها عملية الاختيار والتي تعد حجر أساس العلاقة الزوجية الناجحة بين الطرفين».
والملاحظ ان السلطات الحكومية تحاول إلقاء تبعة تزايد هذه الظاهرة على الأسباب الاجتماعية، متجنبة تحديد مسؤولية الحكومة في معالجة المشكلة، ومنها الحد من تصاعد البطالة ومعالجة ارتفاع أسعار السلع، وعدم تشريع قوانين منها قانون العنف الأسري.
ويرى المعنيون بقضايا الأسرة، ان ازدياد الطلاق سببه أزمات المجتمع العراقي وأبرزها الضائقة الاقتصادية وتفشي الفساد وازدياد مشكلة البطالة بين الشباب وعدم وجود تخطيط من قبل الحكومة المركزية لمعالجتها، بالإضافة إلى رفع الحكومة سعر الدولار الذي أشعل الأسعار في السوق وزاد من صعوبة المعيشة، ما ولد حالة غضب لدى جميع فئات المجتمع العراقي وزاد من الفوضى، وسط مجتمع مليء بالأزمات المزمنة والمعقدة، كما يلعب المستوى التعليمي ونقص الوعي بالقضايا الشرعية والقانونية، دورا مؤثرا في قضايا الطلاق، إضافة إلى التأثير السلبي لبعض الأفلام والمسلسلات في القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي والموبايل، في هذه المشكلة.
فيما يرى آخرون، أن ارتفاع حالات الطلاق تفرز قنابل موقوتة، لعل من أبرز نماذجها أطفال الشوارع، الذين هم في غالبهم ضحايا طلاق آبائهم، حيث يقعون بسهولة في فخاخ العصابات الإجرامية والدعارة والسرقة والتسول، وبيع الأعضاء البشرية والمتاجرة بهم.

دور العنف الأسري

وتظهر الإحصائيات الحكومية حجم ظاهرة العنف الأسري في العراق خلال السنوات الأخيرة، حيث كشف مدير الشرطة المجتمعية في وزارة الداخلية، عن وجود 22 ألف حالة عنف أسري خلال 2021 فيما سجلت وزارة الداخلية العراقية 15 ألف حالة عنف منزلي للعام 2020 وهي إحصائيات تؤكد ناشطات عراقيات إنها أقل من الواقع بكثير.
ووسط تأكيد المعنيين ان العنف الأسري هو أحد الأسباب المؤدية إلى تزايد حالات الطلاق، فإن انتقادات توجه إلى قوى الإسلام السياسي التي تتحكم بالبرلمان والسلطة لمسؤوليتها في هذه القضية، حيث عجزت الحكومات عن تمرير قانون العنف الأسري المحفوظ في أدراج البرلمان منذ سنوات بسبب رفض قوى دينية تمرير القانون الذي يوفر حماية لأفراد العائلة ويحد من العنف، وذلك بحجة العرف والتشريعات الدينية.
وهكذا تتفاقم مشكلة ارتفاع الطلاق، جراء أسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية، لتكون أحد افرازات التوترات والحروب والأزمات السياسية بين الأحزاب الحاكمة، وانشغال الحكومات وأحزاب السلطة بالصراعات على تقاسم مغانم السلطة، وعدم الجدية في معالجة المشاكل الاجتماعية واحتياجات المواطنين.

كلمات مفتاحية

الأخبار

فن وثقافة

المزيد من الأخبار