الرباط-بعد سنة على استعادة المغرب لـ 25 ألف قطعة أحفورية تم تهريبها لفرنسا، استعادت المملكة أحفورة جمجمة تمساح بعمر 56 مليون سنة اكتُشِفت في المغرب، وتم تهريبها لولاية إنديانا الأمريكية.
بعض من خيوط قصة مستحاثة التمساح المغربي، كُشفت حين عثر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي على الجمجمة من بين 7 آلاف قطعة أثرية في مزرعة بولاية إنديانا عام 2014. وعمل الخبراء منذ ذلك الحين على تحديد المالكين الشرعيين لهذه المحتجزات.
وسبق لسفارة واشنطن في العاصمة المغربية الرباط، أن أعلنت قبل أسابيع استعادة المغرب لجمجمة تمساح أثرية، كانت مهربة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقالت ضمن تدوينة منشورة على الصفحة الرسمية للسفارة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”: “قامت الحكومة الأمريكية رسميًا بإعادة مستحاثة جمجمة تمساح مغربية إلى المملكة، خلال حفل أقيم في السفارة المغربية بواشنطن”.
وأوضحت السفارة أن “حفل تسليم هذه القطعة الأثرية يمثل جزءًا من التزام الولايات المتحدة بمنع تهريب قطع ذات أهمية بالغة لتاريخ المغرب وتراثه الثقافي”.
والمستحاثات هي بقايا كائنات حية (حيوان أو نبات) محفوظة في الصخور أو مطمورة في الرمال بعد تحللها خلال الحقب الزمنية المختلفة.
تم عرض المستحاثة وتقديمها أمس الخميس، في الحديقة الوطنية بالرباط، بحضور وفود دبلوماسية ممثلة للولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ودول أخرى، وخلال كلمته قال وزير الشباب والثقافة والتواصل بالحكومة المغربية المهدي بنسعيد إن استرجاع أحفورة رأس التمساح تم بفضل العلاقات المتينة التي تربط المغرب والولايات المتحدة الأمريكية.
واستعرض الوزير الجهود المبذولة على مستوى مصالح الوزارة من أجل الحفاظ على التراث الوطني المادي واللامادي من محاولات السطو، ولعل أهمها التكوينات وعملية التحسيس لكل السلطات المختصة القضائية والأمنية والجمركية إضافة إلى انخراطها في الجهود الدولية المبذولة على هذا المستوى بـ “اليونسكو”.
وأفصح وزير الثقافة المغربي، متحدثا لوسائل إعلامية محلية، أن للأحفورة أهمية تاريخية وثقافية فضلا عن أهميتها بالنسبة للباحثين المغاربة، زيادة على أهميتها علاقة بالسياحة الثقافية التي لا بد أن يستثمر فيها المغرب، حتى ينخرط في الدينامية الدولية التي تعرفها الثقافة عامة، لافتا إلى أن الصناعة الثقافية يُمكنها خلق الثروة.
نظرية التطور
عالم الجيولوجيا المغربي علي شرود، أبرز أن مستحاثة جمجمة التمساح المستعادة تراث أركيولوجي بالغ الأهمية، والذي لا نقدر قيمته الحقيقية، مشددا على أن للمستحاثة قيمة علمية تتجلى في تكوين فكرة أعمق حول نظرية التطور، معتبرا أنه يؤمن بالفرق بين المستحاثة الجميلة الصالحة للزينة، والمستحاثة الجيدة التي تمكن العلماء والباحثين من دراسة الحياة ودرجات الحرارة وتركيز الملوحة والمجالين الطبيعي والجغرافي الذي عاشت فيه بالإضافة إلى المجال الحيوي الذي تعايشت معه.
وأبرز المتحدث لـ “القدس العربي” أن هذا التمساح البالغ من العمر 65 مليون سنة، تطور عبر ملايين السنين علاقة بمورفولوجيته، وأن دراسة نظرية تطور الفقريات والزواحف تعد من الأصعب.
ولفت الجيولوجي المغربي، إلى أن نهاية العصر الطباشيري عرف كارثة بيولوجية كانت سببا في انقراض الديناصورات منذ 66 مليون سنة حيث انقرضت أزيد من 70 بالمئة من الكائنات الحية، وأضاف أن الحياة تعيد نفسها بعد ذلك ما بين الأنواع التي قاومت وتمكنت من البقاء بالإضافة إلى أنواع أخرى جديدة ظهرت.
“ما بين 66 مليون سنة، وبين 56 مليون سنة وقت تواجد هذا التمساح المغربي، فترة 10 مليون سنة، وهي فترة قليلة بالنظر إلى العصر الجيولوجي، وبعد الكارثة البيولوجية حاول المجال البيئي ترميم نفسه من جديد وإيجاد مناخ وبيئة وأنواع جديدة. وبالتالي فستقدم جمجمة هذا التمساح فكرة عن كيف أصبحت الحياة” يقول الدكتور شرود.
بالعودة إلى وزارة الثقافة، ترى أن هذا الحدث شكل فرصة لتسليط الضوء على أهمية استرجاع هذه المستحاثة التي يعود تاريخها إلى 56 مليون سنة، حيث تدخل عملية استرداد هذه القطعة الأثرية في إطار تفعيل اتفاقية “اليونسكو” لسنة 1970 المتعلقة بالتدابير الواجب اتخاذها لحظر ومنع الاستيراد والتصدير غير المشروع ونقل الملكية للممتلكات الثقافية.
وكان المغرب قد تمكن خلال عام 2021 من استرداد 25 ألف قطعة من التراث الجيولوجي و الأركيولوجي والإثنوغرافي، تتكون من مجموعة ذات أهمية بالغة تنتمي لمواقع من جنوب المملكة والأطلس الصغير، ويعود تاريخها إلى عصور ما قبل التاريخ. كما عمل المغرب ولعدة مرات، على إيقاف مزادات لبيع هياكل ديناصورات أو مستحثات تعود لآلاف السنين.
ويعتبر المغرب الذي يوصف دولياً بكونه جنة الجيولوجيين، مـن المناطق النادرة فـي العالم التي تتوفر على الكثير مـن الأدلة الشاهدة علـى ترسب عدة طبقات على سطح الأرض، التي تسلط الضوء على جزء كبير من الأزمنة الجيولوجية الرئيسية المؤرخة لمراحل تطور الحيـاة فـوق الأرض، حيث تنفـرد رواسـب سلسـلة الفوسـفات فـي المغـرب بغناهـا الكبيـر بمستحاثات التماسيح التي تمكن العلماء من معرفة التنوع الإحيائي الجغرافي القديم والتاريخ التطوري للأنواع المختلفة الموجودة، مما يفسر الاهتمام الذي يثيره في سوق الاتجار غير المشـروع بالممتلكات الثقافية.