رام الله -مهما بلغت وحشية الجريمة التي ترتكبها قوات الاحتلال الصهيوني حالياً في مدينة جنين الفلسطينية، فإنها لن تنتهي بهزيمة الشعب الفلسطيني الذي صمد ولا زال على أرضه رغم كل المجازر والقمع والتنكيل الذي يرتكبه الاحتلال في فلسطين منذ قرابة خمسة وسبعين عاما على بداية الاحتلال لا شك في أن الجريمة الحالية تجري بتنسيق كامل بين الاحتلال الصهيوني والولايات المتحدة كما تحدثت العديد من وسائل الإعلام، وسط تأييد علني من الدول الكبرى التي تمارس أقذر التناقضات مع جرائم الاحتلال في فلسطين بالمقارنة مع مواقفها مع روسيا في حربها في أوكرانيا.
مخيم جنين أيقونة المقاومة، لمدينة جنين شأن عظيم في النضال الوطني الفلسطيني، منذ بداية الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي، وعبر المراحل التي مرت بها القضية الفلسطينية، وظلت المدينة هاجساً بالنسبة للعدو الصهيوني بسبب المشاركة النوعية الواسعة لعدد كبير من أبنائها في العمل المسلح، ولا سيما مخيم جنين أسطورة الصمود …معركة بأس جنين، أو كما سمتها إسرائيل عملية بيت وحديقة، أوسع عدوان اسرائيلي على مدينة جنين ومخيمها منذ ملحمة معركة جنين نيسان/ أبريل عام 2002، هذه الحملة العسكرية الإسرائيلية الهمجية التي انتهجت سياسة الأرض المحروقة وأساليب الحرب الإرهابية، ما هي إلا جرائم حرب موصوفة، تعامل معها المجتمع الدولي بصمت مريب.
بعد أن كانت القوات الإسرائيلية تشن عمليات خاطفة عبر تسلل قوات خاصة من المستعربين تعتقل أو تغتال، صعّدت حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية برئاسة نتنياهو، اعتداءاتها اجتياحات متكررة ضد مدن فلسطين وقراها ومدنها ومخيماتها، وفي الحصيلة، وفي كل مرة عدد كبير من الشهداء والجرحى، معظمهم من المدنيين، أما مدينة جنين ومخيمها فكان له النصيب الأكبر من هجمات القوات الإسرائيلية واقتحاماته، في أواخر كانون الثاني/يناير 2023، أدى توغل قوة اسرائيلية إلى استشهاد عشرة فلسطينيين وجرح العشرات، وفي حزيران/يونيو تكرَّر الاجتياح وأدى إلى مئات الجرحى واستشهاد 6 فلسطينيين من بينهم طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره.
في جنين تفوح رائحة البارود والرصاص في كل مكان ويعيش سكانها حياتهم بطرقهم الخاصة، شهيد يودع شهيداً، شهيد يوصي بشهيد، شهداء جنين حالهم وشكلهم يختلف عن باقي شهداء فلسطين، في شوارع وأزقة جنين تشتم رائحة الدم في كل مكان. كل بيوت وشوارع وأحياء جنين تعيش الموت وتودع أبنائها الشهداء بالزغاريد في مواكب جنائزية مُهيبة، ولكن للحياة في جنين طعم آخر، فهي محاطة بوابل من الآلام والآمال معاً.
جنين خزان الثورة والانتفاضة الفلسطينية، جنين أيقونة نضالية في العطاء والتضحية، لها أن تفخر بأبنائها الشهداء، ففيها استشهد حازم ريحان قبها "ابو جندل" في مخيم جنين، وفيها ولد وترعرع الشهيد ياسر نزال، واستشهدت الطالبة منتهى الحوراني بعد دهسها من إحدى آليات الاحتلال خلال قيادتها مسيرة طلابية عام 1974 وفيها استشهدت أيقونة الصحافة الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، وفي جنين ولد وترعرع أسرى سجن جلبوع، وتصحو كل يوم في جنين على خبر شهيد أو معتقل أو جريح، أو هدم بيت، وهي التي قدمت في الانتفاضة الوطنية الكبرى جنين لا تستطيع أن تصفها الكلمات والمرادفات، والتي عبر عنها المخرج الفلسطيني محمد البكري وهو صاحب الفيلم الشهير (جنين جنين) قائلاً: «ليس فقط الموت، كانت التفاصيل الصغيرة تقتلني، أتذكر ذلك اللاجئ الذي قال لي عن صدمته عندما أفاق صباحاً ووجد منزل جاره كومة حجارة .
هذا واقع جنين كما هو واقع فلسطين بعاصمتها وبمدنها وقراها ومخيماتها وأزقتها، وصولاً إلى شتات أبنائها في معارك التاريخ والصراع الطويل دفاعاً على الهوية والأرض والشعب والحقوق الوطنية المشروعة، حيث وصفها الشاعر الفلسطيني سميح القاسم «يا وجع قلبك يا جنين.. وأنتِ كل يومٍ تودعين بطلاً من رجالك.. وتبكين بحرقةٍ على فتية بعمر الورد.. ويا عزك يا جنين وأنتِ تكتبين بدمكِ تاريخاً مُشرفاً لشعبٍ يموت من أجل حريته.. جنين ستبقى نافذة فلسطين المشرقة نحو الاستقلال والأمل والغد الأجمل .
نعم جنين ومعها كل كتائب وفصائل المقاومة والحاضنة الشعبية ومعها كل جماهير وأحرار شعبنا على طول وعرض ومساحات الوطن انتصرت على هذا العدوان وفشلت كل مخططات تركيع جنين ومخيمها ومقاومتها ...والكيان اعاد انتاج فشل استعادته لقوة الردع على نحو أشمل واسع، و جنين ومخيمها استنتج معادلة ردعها، كما أنتجتها غزة مجتمعة بفصائلها ،وحركة الجهاد الإسلامي منفردة ...جنين ومخيمها توجه الرسالة لكل المهزومين والمتخاذلين، بأن من يمتلك الإرادة والتحدي قادر ان يصنع صموداً ونصراً ...دولة الكيان في قادم الأيام ستعمل وفق نظريتي "أعمال أمنية خلف الخطوط ،وأيام قتالية على الخطوط لتعويض الفشل في الظروف الإقليمية والداخلية المجافية ،وعلى كل محور المقاومة ان يمنعها من تحقيق اهدافها ...وحتماً، هي ستختار الساحات التي ستتحرك بها ،والضفة بمدنها وغزة وربما لبنان ستكون ساحة لعمليات التحرش تلك، ولكن يبدو أن عصر انتصاراتها السريعة ونقل المعركة الى أرض " العدو" قد ولى، وهي تدخل مرحلة الهزائم والتهديد الوجودي.
نعم أرواح الشهداء لا تموت ترفع وتعود توحي لأشباهها باستمرار النضال، وتنفخ فيهم روحها الخالدة، يستمر الخلود ويستمر النضال للأبد أنتم الصفوة واختيار الله لا تخافوا بعد اليوم على فلسطين، يوما ما الكتائب وأحفادهم سيحررها، لن نحتاج صلاح الدين هنا تولد البطولة وتصنع الرجولة، هنا يتكاثرون، يوما ما بطل ما سيخرج من مخيم جنين ويحرر الأقصى ويهزم العدو وينتصر للوطن والشهداء وسيحرر الأسرى جميعا، يوما ما ليس بعيداً قد لا يتعدى هذا البطل عمر العشرين.
وفي نفس الوقت الذي نشعر فيه بمشاعر الحزن والغضب والألم على أي أذى يلحق بالفلسطينيين من قوات الاحتلال لكن أيضاً تعودنا أن تكون المدن الفلسطينية المنكوبة مصدرا لرفع معنوياتنا حتى وهي تتعرض لأقسى درجات الإجرام فالإيمان بأن التحرير حتمي مزروع فينا وفي كثير من الأحيان كان صمود مدن فلسطين في مواجهة غطرسة الاحتلال هي مصدر لذلك الإيمان بالإضافة لعقيدتنا.
في نهاية رسالتي هذه أريد أن أشكركم، على وحدة الفصائل ووحدة الشعب الفلسطيني وتلاحمه وأخوته لبعضه البعض، كلنا بنيان مرصوص بسببكم، الكل الفلسطيني والوطني والعربي مؤمن بكم، هالتك ضمتنا إننا في نصر كبير ومن الصعب هزيمتنا بعد اليوم…..استودعتكم الله
الرحمة للشهداء....
الشفاء العاجل للجرحى ....
الحرية لأسرانا البواسل ....