الأغوار - إسراء غوراني-يتجول المزارع سعد بشارات في أرضه الزراعية في سهل البقيعة شرق طوباس، يعاين، بمرارة بالغة، بعد ما آل إليه حال محاصيله التي أتلفها الجفاف جراء انقطاع المياه عنها، عقب إقدام جرافات الاحتلال الإسرائيلي على تدمير خطوط المياه الواصلة إلى آلاف الدونمات الزراعية في السهل، في إطار تنفيذ مشروع "الخيط القرمزي"، والذي يهدف إلى إقامة طريق عسكرية وجدار فاصل على أراضي المواطنين في محافظة طوباس.
بينما كان بشارات يرافقنا متنقلا بين أراضٍ مترامية الأطراف في سهل البقيعة، كانت جرافات الاحتلال، على مرأى البصر، لا تتوقف عن الحفر والتجريف، كما يظهر جليا أنها قطعت شوطا كبيرا في شق الطريق التي باتت معالمها واضحة للعيان، وفي الجهة المقابلة تجثم على أراضي السهل وفي محاذاته منذ عقود مستعمرتا "بقعوت" و"روعيه"، في مشهد مقلق يوحي بأن السهل الذي يعد سلة غذاء فلسطين غدا حبيسا داخل طوق استعماري.
وفيما كانت جرافتان تواصلان العمل على شق الطريق، كانت أصوات الضجيج تخترق فضاء المكان ناتجة عن استقدام ثلاث جرافات إضافية إلى المنطقة لمواصلة عمليات التجريف التي لم تتوقف منذ مطلع العام.
هذه الجرافات دأبت منذ أشهر على تقطيع أوصال المنطقة وأراضيها الزراعية، مدمرة كل ما يقع في طريقها من مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بالأشجار والخضراوات، وفضلا عن ذلك تتلف خطوط المياه التي تغذي آلاف الدونمات في سهل البقيعة وتعتمد عليها أيضا عشرات العائلات المقيمة في قرية عاطوف والتي تعيش من تربية الثروة الحيوانية.
يقول بشارات وهو يتجول بين محصول الفلفل الذي جف كليا ومحصول الشمام الذي تلف في أرضه نتيجة انقطاع المياه والعطش الشديد، إنه أنفق قرابة نصف مليون شيقل في تحضير الأرض وزراعة الأشتال والعناية بها منذ بداية الموسم.
كان بشارات ينتظر موعد قطاف محاصيله الذي اقترب، فهو يزرع 120 دونما بمحاصيل متنوعة، ولكن التوسع الاستعماري المتصاعد الذي تشهده المنطقة بشكل غير مسبوق كان عائقا أمام قطف المحصول.
على مقربة من أراضي بشارات، يقيم الحاج لطفي بني عودة على قطعة أرض متوارثة من والده وجده، ويضع فيها معرشات وخيام لتربية ثروته الحيوانية، وهي المهنة التي يعيش منها طوال حياته، وعلى الامتداد المحاذي له يمتلك 40 دونما من الأرض يزرعها بأنواع متعددة من الأشجار والمحاصيل.
الأراضي التي يملكها بني عودة تقع في الجهة الشرقية من قرية عاطوف وسهل البقيعة، كما أنها تقع شرق الطريق والجدار الذي بدأ الاحتلال العمل عليه فعليا.
يقول بني عودة إنه اليوم مع كافة المزارعين من المنطقة يواجهون مصيرا مجهولا، فالاحتلال والمستعمرون يستهدفون هذه المنطقة منذ سنوات طويلة ويضيقون على الأهالي والمزارعين لتهجيرهم قسريا والاستيلاء على أراضيهم لصالح المشاريع الاستعمارية، لكن هذا المشروع هو الأخطر عليهم.
ونتيجة لانتهاكات الاحتلال والمستعمرين المتصاعدة على مدار الأعوام الماضية تراجعت أعداد المواشي التي يمتلكها بني عودة بشكل كبير، حيث كان يمتلك قبل خمسة أعوام، قرابة 800 رأس من الماشية، بينما يمتلك اليوم 500 رأس بسبب انتهاكات الاحتلال التي أدت إلى تراجع مساحات الرعي وصعوبة الحصول على المياه، كما أنه يتخوف من تراجع الأعداد أكثر من ذلك بسبب انقطاع المياه بعد تجريف خطوطها واضطرارهم لشرائها في الصهاريج والحصول عليها بصعوبة بالغة.
وعن خطورة مشروع "الخيط القرمزي" وتبعاته على الحياة في المنطقة، يوضح رئيس مجلس قروي عاطوف والرأس الأحمر عبد الله بشارات أن هذا المشروع بمثابة إعدام لكافة مقومات الحياة الزراعية في سهل البقيعة، وهو ما يهدد الوجود الفلسطيني في المنطقة، وسط تخوف من نية الاحتلال تهجير السكان والمزارعين قسريا.
ويؤكد أن قرية عاطوف وسهل البقيعة يعانيان منذ عقود من مطامع استعمارية كثيرة، كما تقام على أراضي السهل وبمحاذاته مستعمرتا "بقعوت" و"روعيه".
وينوه بشارات إلى أن قوات الاحتلال خلال عمليات التجريف المستمرة منذ بدايات العام وحتى الآن دمرت مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بالأشجار والمحاصيل، كما قطعت خطوط المياه الزراعية.
ووفقا للمعطيات الأولية لدى مجلس قروي عاطوف، فإن 24 ألف دونم تعود ملكيتها لحوالي 300 مزارع تواجه التلف والجفاف، وهو ما يعادل ربع السهل الذي تبلغ مساحته 96 ألف دونم، بسبب عمليات التجريف المتواصلة، فيما يتهدد الخطر ذاته ما تبقى من أراضي السهل.
ورغم فداحة الخسائر الحالية إلا أن هناك خسائر تفوق ذلك بكثير في حال اكتمال إنجاز مشروع الجدار، وفقا لبشارات، فالمشروع سيعمل على عزل معظم الامتداد الزراعي التابع لمحافظة طوباس التي تعد سلة غذاء فلسطين وتعتمد أسواق الضفة بشكل كبير على منتجاتها الزراعية، ما يعني أن المشروع يهدد الأمن الغذائي في الضفة الغربية.
فضلا عن ذلك يعد هذا المشروع خطوة متقدمة وخطيرة في مجال فصل الأغوار عن باقي مناطق الضفة الغربية وإحكام سيطرة الاحتلال عليها.
وكانت صحيفة هآرتس الإسرائيلية قد كشفت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام المنصرم 2025 عن مشروع "الخيط القرمزي"، موضحة أن هذا المشروع الاستعماري سيكون بمثابة طريق عسكرية وجدار فاصل ممتد بطول 22 كيلو مترا وبعرض 50 مترا على أراضي المواطنين من قرية عين شبلي في الأغوار الوسطى وصولا إلى حاجز تياسير العسكري.
في أعقاب ذلك شرعت سلطات الاحتلال بإصدار أوامر "وضع اليد لأغراض عسكرية" على 1042 دونما من أراضي المواطنين، وهي التي سيأتي عليها مسار الجدار، كما شرعت منذ بداية العام الحالي بتنفيذ أعمال تجريف متواصلة حتى الآن لتنفيذ المشروع الذي سيعزل خلفه مساحات واسعة ويلتهم آلاف الدونمات الإضافية.